الشوكاني

522

فتح القدير

فقلت : بلى بأبي أنت وأمي ، قال : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك " ( من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ) فرقى بها ثلاث مرات " . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ومن شر حاسد إذا حسد ) قال : نفس ابن آدم وعينه اه‍ . تفسير سورة الناس هي ست آيات والخلاف في كونها مكية أو مدنية كالخلاف الذي تقدم في سورة الفلق . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزل بمكة ( قل أعوذ برب الناس ) . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : أنزل بالمدينة ( قل أعوذ برب الناس ) وقد قدمنا في سورة الفلق ما ورد في سبب نزول هذه السورة وما ورد في فضلها فارجع إليه . سورة الناس ( 1 - 6 ) قرأ الجمهور ( قل أعوذ ) بالهمزة . وقرئ بحذفها ونقل حركتها إلى اللام . وقرأ الجمهور بترك الإمالة في الناس ، وقرأ الكسائي بالإمالة . ومعنى رب الناس : مالك أمرهم ومصلح أحوالهم ، وإنما قال رب الناس مع أنه رب جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم ، ولكون الاستعاذة وقعت من شر ما يوسوس في صدورهم ، وقوله ( ملك الناس ) عطف بيان جئ به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم ، بل بطريق الملك الكامل ، والسلطان القاهر ( إله الناس ) هو أيضا عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلى بالاتحاد والإعدام ، وأيضا الرب قد يكون ملكا ، وقد لا يكون ملكا ، كما يقال رب الدار ورب المتاع ، ومنه قوله - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله - فبين أنه ملك الناس . ثم الملك قد يكون إلها ، وقد لا يكون ، فبين أنه إله لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد ، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا ، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس . ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وأنه عبد مخلوق وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس ، وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار ، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ( من شر الوسواس ) قال الفراء : هو بفتح الواو بمعنى الاسم : أي الموسوس ، وبكسرها المصدر : أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وقيل هو بالفتح اسم بمعنى الوسوسة ، والوسوسة : هي حديث النفس ، يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة : أي حدثته حديثا ، وأصلها الصوت الخفي ، ومنه قيل لأصوات الحلى وسواس ، ومنه قول الأعشى : تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت * قال الزجاج : الوسواس هو الشيطان : أي ذي الوسواس ،